فاتن
22-11-2002, 02:34 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحبتي في الله .. حفظكم الله ورعاكم
سأكمل لكم بإذن الله ماتم تناوله عن الجامعة الرمضانية وكلياتها ..
هنا رابط المشاركة الأولى (http://www.mahroom.net/showthread.php?s=&postid=271943&t=2340#post271943)
بسم الله الرحمن الرحيم
كلّية الرحمة
لقد وصف الله عَزَّ وَجَلَّ حال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والصّحابة رضوان الله عليهم، وتلك البيّنة الاجتماعيّة الَّتِي تضمّهم فقال عَزَّ وَجَلَّ (( محمد رَسُول الله والذين معه أشدّاء عَلَى الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من اللهِ ورضوانا ً )) [الفتح: 29]، وَإِذَا كَانَ استشعار الأفراد فيما بينهم بالرّحمة يبعث عَلَى الأمل والحب، فكيف إن كَانَتْ هَذِهِ الرحمة من الله عَزَّ وَجَلَّ؟ ويتجسّد ذَلِكَ عمليّاً فِي هَذَا الشهر العظيم.
مَعَ أنّ الله لَمْ يوجب الصّيام علينا إِلاَّ شهراً واحداً فِي السّنة إِلاَّ أنّه أخذ هَذِهِ الأمّة بالرّحمة وجعل لَهَا الرّخصة (( فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كَانَ مريضاً أَوْ عَلَى سفرٍ فعدّة مِن أيّامٍ أُخر يريد الله بكم اليسر وَلاَ يريد بكم العسر )) [ البقرة: 185]. ولذلك استطاع المريض أَنْ يترك الصيام حتّى يشفى من مرضه ويسترد صحّته، والمسافر حتّى ينتهي من عمله، وبهذه الرّحمة تسير عجلة الحياة فِي رمضان لتدخل إِلَى قلوبنا فنرحم أنفسنا أوّلاً من نار جهنّم الَّتِي وقودها النّاس والحجارة، ثُمَّ ننظر إِلَى المجتمع بعين الشّفقة فيقوم القوي عَلَى مساعدة الضّعيف، والحاكم عَلَى نصرة المحكوم، والغني عَلَى الصدقة للفقير. تحت مظلّة عظيمة تصنعها غيوم الرّحمة والتواضع لله عَزَّ وَجَلَّ، والعمل فِي سبيله، يحمل كلّ فرد من الأمّة فِي وجدانه قدرة الله عَزَّ وَجَلَّ وعظمته، وَمَعَ تِلْكَ الرّخصة الَّتِي ترفع عَنْهُ الحرج والضّيق وكيف لا؟ والله أرحم بعباده من الأم بولدها الرّضيع، وذلك كَانَ عَلَى الإنسان أَنْ يرحم من هم تحت يده وَلاَ يكلّفهم مِن الأعمال مَا لاَ يستطيعون، وليعلم أنّ ذَلِكَ مِن تمام رحمة الله علينا (( لاَ يكلّف اللهُ نفساً إِلاَّ وسعها لَهَا مَا كسبت وعليها مَا اكتسبت )) [البقرة: 286] فكيف بك وَقَدْ جعل طعامك وشرابك إِذَا نسيت رزقاً مِنْهُ لاَ يحاسبك عَلَيهِ، وأنت مَعَ امتناعك من الطّعام والشّراب تتفكّر بغيرك الَّذِي لاَ يجد طعام يومه فتفيض فيك الرّحمة الَّتِي علّمك الله إياها فِي هَذَا الشهر. والله المستعان.
كلّية التّميّز
لقد منَّ الله عَلَى هَذِهِ الأمّة بميزة عظيمة لَمْ تكن لغيرها وَهِيَ حفظ الرّسالة الَّتِي أنزلها عَلَى محمد صلى الله عليه وسلم (( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا لَهُ لحافظون )) [الحجر: 9] فكان ذَلِكَ يقتضي أَنْ نكون أمّة متميّزة عَنْ كلّ الأمم السابقة حتّى نما حفظ عَلَى روح هَذِهِ الرّسالة ونقوم بِمَا أوجب الله علينا من الدّعوة إِلَيْهِ (( كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عَنْ المنكر )) [آل عمران: 110] ولذلك رفع نبيّ هَذِهِ الأمّة صلى الله عليه وسلم شعار المخالفة فِي كلّ شيء وحذّر من مشابهة المغضوب عليهم أَوْ الضّالين من اليهود والنّصارى حتّى لاَ نذوب فِي تِلْكَ الأمم ونأخذ من أفكارهم وأشكالهم يؤثر فِي دين الله عَزَّ وَجَلَّ ويخرج النَّفْس عَنْ الطّريق الصّحيح وهم يرفعون شعار العداوة باللّيل والنّهار (( ولن ترضى عَنْكَ اليهود وَلاَ النّصارى حتّى تتّبع ملّتهم )) [البقرة: 120] ولذلك جعل عَلَيهِ الصّلاة والسّلام أكلة السّحر هِيَ الفاصل بَيْنَ صيامنا وصيامهم فقال: ( فصل بَيْنَ صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر )صحيح الجامع (4207)، وبذلك عندما يحمل الإنسان نفسه عَلَى القيام قبل الفجر فِي وقت السّحر وَهُوَ من أكثر الأوقات الَّتِي يعشق فِيهَا الإنسان النّوم ليتسحّر، بل كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ( تسحّروا وَلَوْ بجرعة ماء ) صحيح الجامع (2945)، فَهُوَ يعد نفسه لهذه المخالفة ويكون تحت ضوء التميُّز فيتطبع بِهَذَا الخلق الكريم الَّذِي أمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حتّى لاَ تهلك الأمة فتغيّر دين الله عَزَّ وَجَلَّ وتحرف عبادتها عَنْ الصّراط المستقيم ويبقى المفهوم هُوَ اتّباع الأمّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنخرج أنفسنا من ذَلِكَ التحذير ونستعدّ لَهُ نفسيّاً وعمليّاً ( لتتّبعنّ سنن الَّذِينَ من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتّى لَوْ سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه ) قالوا: اليهود والنّصارى؟ قَالَ: ( فمن؟ ) صحيح الجامع (5063). ولذلك فلنتّخذ من أكلة السّحر فِي رمضان شعاراً لنتميّز عَنْ أمّة الكفر والنكران. والله المستعان.
كلّية الطّب
هَذَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينبّه الأمّة إِلَى السبب الرئيسي للأمراض الَّتِي يعاني مِنْهَا البشر فيؤكّد أنّها فِي المعدة الَّتِي هِيَ منفذ عظيم لدخول الأشياء إِلَيْهَا ووصولها إِلَى باقي البدن فيقول: ( مَا ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كَانَ لاَ محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ) صحيح الجامع (5674)، وبذلك يحصل الترشيد فِي الطّعام الَّذِي يمتنع الإنسان عَنْهُ فِي نهار رمضان ليقوم الجسم بالتّخلّص من الفضلات الزائدة عنه، والسموم الَّتِي تخرجها خلايا الجسم لتصبح نشيطة فتنتقل من عمل التنظيف إِلَى البناء والإنتاج، وهذا فِي حقيقة الأمر بحاجة إِلَى إنسان مرتاح نفسيّاً لأن الأمراض النفسيّة لَهَا تأثير عَلَى الأجهزة والأعضاء وتصيبها بخلل فَلاَ تستطيع تنظيم عملها حتّى وَلَوْ كَانَ أصحاب هَذِهِ الأجهزة والأعضاء لاَ يأكلون من الطّعام إِلاَّ القليل.
وَمَعَ طول السنة والانشغال الفكري والعضلي وتجمّع هموم الحياة اليومية والمستقبليّة تتفرّق الهموم عَلَى الإنسان حتّى يشعر بأنّه لاَ يخرج من هم إِلاَّ إِلَى غيره إِلَى أَنْ يأتي شهر رمضان فيتذكر أَنَّهُ لاَ بدّ لَهُ من الدّخول فِي هذه العبادة وغيرها من العبادات ليكون من عتقاء هَذَا الشهر، ومن أهل الجنّة، فيركن تحت تِلْكَ المظلّة المكتوب فِيهَا ( من كَانَتْ الآخرة همّه جعل الله غناه فِي قلبه وجمع لَهُ شمله وأتته الدُّنْيَا وَهِيَ راغمة ومن كَانَتْ الدُّنْيَا همّه جعل الله فقره بَيْنَ عينيه وفرق عَلَيهِ شمله ولم يأته من الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قدر لَهُ ) صحيح الجامع (6510)، فيجتهد فِي العبادة وخاصة أَنْ من حوله من النَّاس يكون همّهم هُوَ همّه من العبادة والذّكر فيجد فِي ذَلِكَ الفرصة ليتخلّص من أوهامه كلّها ويعود إِلَى الأصل الَّذِي خلق من أجله (( وَمَا خلقت الجنّ والإنس إِلاَّ ليعبدون مَا أريد منهم من رزقٍ وَمَا أريد أَنْ يطعمون إنّ الله هُوَ الرّزاق ذو القوّة المتين )) [الذّاريات: 56-58] وبذلك تتخلّص النّفس من حقدها وشرّها وحسدها وتتطلع بَعْدَ ذَلِكَ لفعل الخير لأن كلّ شيء ذاهب وَلاَ يبقى إِلاَّ البحث عَنْ حقيقة ذَلِكَ الطّريق الموصل إِلَى الجنّة. والله المستعان.
كلّية الحِلم
جاء الرّجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يسأله الوصيّة فقال: ( لاَ تغضب ) صحيح الجامع (7373)
ولأنّ الغضب هُوَ فِي أغلب أحيانه ردّة فعل لفعل آخر، ويصحبها مجانبة الصّواب حتّى لَوْ كَانَ معه الحقّ وإرادة العقاب. فلعلّه فِي حكمه هَذَا يقع فِي الغلوّ فيؤدّي بِهِ إِلَى الظلم الَّذِي حرّمه الله عَزَّ وَجَلَّ لقوله صلى الله عليه وسلم فِي الحديث القدسي ( يَا عبادي إنّي حرّمت الظلم عَلَى نفسي وجعلته بينكم محرّماً فَلاَ تظالموا ) صحيح الجامع (4345)، ثُمَّ إنّ فورة الغضب توقع الإنسان فيما لاَ تحمد عقباه ولذلك لمّا استبّ رجلان أمام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وأحدهما قَدْ احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه فقال عَلَيهِ الصّلاة السّلام: ( إنّي لأعلم كلمة لَوْ قالها لذهب عَنْهُ مَا يجد، لَوْ قَالَ: أعوذ باللهِ من الشّيطان الرّجيم ذهب عَنْهُ مَا يجد )مختصر صحيح مسلم (1792) فلمّا نقل لَهُ قول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَتْ ردّة الفعل عنده سريعة وقويّة فقال: أمجنون تراني؟ ولذلك كَانَ لاَ بدّ لهذا الدّاء من علاج، وأن يكون الإنسان مستعدّاً لَهُ، وليس وليد السّاعة حتّى لاَ يقع فِي معصية أَوْ ظلم، فكانت تِلْكَ الكليّة العظيمة فِي رمضان الَّتِي يكون جوابها حاضر وفعلها متوافر ( الصّيام جنّة، وَإِذَا كَانَ أحدكم صائماً فَلاَ يرفث، وَلاَ يجهل، وإن امرؤ قاتله أَوْ شاتمه فليقل: أنّي صائم، أنّي صائم ) صحيح الجامع (3877) وهكذا يلوذ بالله عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ يكون عنده ردّة فعل، بل يقف عَلَى ساحل الخير الَّذِي فِيهِ الرّحمة والمحبّة من الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ لأنّ هَذِهِ الخصال يحبّها الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يمتدح الحلم فِي أشج بني عبد قيس فقال: ( يَا أشج! إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله: الحلم التؤدة ) صحيح الجامع (7848)، وبذلك تكون من الَّذِينَ ذكرهم الله فِي كتابه (( والكاظمين الغيظ والعافين عَنْ النَّاس والله يحبّ المحسنين )) [آل عمران: 134]، فكن عَلَى طريق أولئك الَّذِينَ لاَ يغضبون لأنفسهم بل يتسامحون مَعَ النَّاس حتّى وإن كَانَ الخطأ والغبن عليهم، ليكون لهم الأجر عِنْدَ الله (( وَلاَ تستوي الحسنة وَلاَ السّيئة ادفع بالتي هِيَ أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم وَمَا يلقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صبروا وَمَا يلقّاها إِلاَّ ذو حظّ عظيم )) [فصّلت: 34]، فعليك أَنْ تحمل هَذَا الخلق بَعْدَ رمضان ليصبح فيك سجيّة، وهذا لاَ يأتي بيوم وليلة ولكن بالتّدبّر والجاهدة. والله المستعان.
أحبتي في الله .. حفظكم الله ورعاكم
سأكمل لكم بإذن الله ماتم تناوله عن الجامعة الرمضانية وكلياتها ..
هنا رابط المشاركة الأولى (http://www.mahroom.net/showthread.php?s=&postid=271943&t=2340#post271943)
بسم الله الرحمن الرحيم
كلّية الرحمة
لقد وصف الله عَزَّ وَجَلَّ حال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والصّحابة رضوان الله عليهم، وتلك البيّنة الاجتماعيّة الَّتِي تضمّهم فقال عَزَّ وَجَلَّ (( محمد رَسُول الله والذين معه أشدّاء عَلَى الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من اللهِ ورضوانا ً )) [الفتح: 29]، وَإِذَا كَانَ استشعار الأفراد فيما بينهم بالرّحمة يبعث عَلَى الأمل والحب، فكيف إن كَانَتْ هَذِهِ الرحمة من الله عَزَّ وَجَلَّ؟ ويتجسّد ذَلِكَ عمليّاً فِي هَذَا الشهر العظيم.
مَعَ أنّ الله لَمْ يوجب الصّيام علينا إِلاَّ شهراً واحداً فِي السّنة إِلاَّ أنّه أخذ هَذِهِ الأمّة بالرّحمة وجعل لَهَا الرّخصة (( فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ومن كَانَ مريضاً أَوْ عَلَى سفرٍ فعدّة مِن أيّامٍ أُخر يريد الله بكم اليسر وَلاَ يريد بكم العسر )) [ البقرة: 185]. ولذلك استطاع المريض أَنْ يترك الصيام حتّى يشفى من مرضه ويسترد صحّته، والمسافر حتّى ينتهي من عمله، وبهذه الرّحمة تسير عجلة الحياة فِي رمضان لتدخل إِلَى قلوبنا فنرحم أنفسنا أوّلاً من نار جهنّم الَّتِي وقودها النّاس والحجارة، ثُمَّ ننظر إِلَى المجتمع بعين الشّفقة فيقوم القوي عَلَى مساعدة الضّعيف، والحاكم عَلَى نصرة المحكوم، والغني عَلَى الصدقة للفقير. تحت مظلّة عظيمة تصنعها غيوم الرّحمة والتواضع لله عَزَّ وَجَلَّ، والعمل فِي سبيله، يحمل كلّ فرد من الأمّة فِي وجدانه قدرة الله عَزَّ وَجَلَّ وعظمته، وَمَعَ تِلْكَ الرّخصة الَّتِي ترفع عَنْهُ الحرج والضّيق وكيف لا؟ والله أرحم بعباده من الأم بولدها الرّضيع، وذلك كَانَ عَلَى الإنسان أَنْ يرحم من هم تحت يده وَلاَ يكلّفهم مِن الأعمال مَا لاَ يستطيعون، وليعلم أنّ ذَلِكَ مِن تمام رحمة الله علينا (( لاَ يكلّف اللهُ نفساً إِلاَّ وسعها لَهَا مَا كسبت وعليها مَا اكتسبت )) [البقرة: 286] فكيف بك وَقَدْ جعل طعامك وشرابك إِذَا نسيت رزقاً مِنْهُ لاَ يحاسبك عَلَيهِ، وأنت مَعَ امتناعك من الطّعام والشّراب تتفكّر بغيرك الَّذِي لاَ يجد طعام يومه فتفيض فيك الرّحمة الَّتِي علّمك الله إياها فِي هَذَا الشهر. والله المستعان.
كلّية التّميّز
لقد منَّ الله عَلَى هَذِهِ الأمّة بميزة عظيمة لَمْ تكن لغيرها وَهِيَ حفظ الرّسالة الَّتِي أنزلها عَلَى محمد صلى الله عليه وسلم (( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا لَهُ لحافظون )) [الحجر: 9] فكان ذَلِكَ يقتضي أَنْ نكون أمّة متميّزة عَنْ كلّ الأمم السابقة حتّى نما حفظ عَلَى روح هَذِهِ الرّسالة ونقوم بِمَا أوجب الله علينا من الدّعوة إِلَيْهِ (( كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عَنْ المنكر )) [آل عمران: 110] ولذلك رفع نبيّ هَذِهِ الأمّة صلى الله عليه وسلم شعار المخالفة فِي كلّ شيء وحذّر من مشابهة المغضوب عليهم أَوْ الضّالين من اليهود والنّصارى حتّى لاَ نذوب فِي تِلْكَ الأمم ونأخذ من أفكارهم وأشكالهم يؤثر فِي دين الله عَزَّ وَجَلَّ ويخرج النَّفْس عَنْ الطّريق الصّحيح وهم يرفعون شعار العداوة باللّيل والنّهار (( ولن ترضى عَنْكَ اليهود وَلاَ النّصارى حتّى تتّبع ملّتهم )) [البقرة: 120] ولذلك جعل عَلَيهِ الصّلاة والسّلام أكلة السّحر هِيَ الفاصل بَيْنَ صيامنا وصيامهم فقال: ( فصل بَيْنَ صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر )صحيح الجامع (4207)، وبذلك عندما يحمل الإنسان نفسه عَلَى القيام قبل الفجر فِي وقت السّحر وَهُوَ من أكثر الأوقات الَّتِي يعشق فِيهَا الإنسان النّوم ليتسحّر، بل كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: ( تسحّروا وَلَوْ بجرعة ماء ) صحيح الجامع (2945)، فَهُوَ يعد نفسه لهذه المخالفة ويكون تحت ضوء التميُّز فيتطبع بِهَذَا الخلق الكريم الَّذِي أمر بِهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حتّى لاَ تهلك الأمة فتغيّر دين الله عَزَّ وَجَلَّ وتحرف عبادتها عَنْ الصّراط المستقيم ويبقى المفهوم هُوَ اتّباع الأمّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنخرج أنفسنا من ذَلِكَ التحذير ونستعدّ لَهُ نفسيّاً وعمليّاً ( لتتّبعنّ سنن الَّذِينَ من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتّى لَوْ سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه ) قالوا: اليهود والنّصارى؟ قَالَ: ( فمن؟ ) صحيح الجامع (5063). ولذلك فلنتّخذ من أكلة السّحر فِي رمضان شعاراً لنتميّز عَنْ أمّة الكفر والنكران. والله المستعان.
كلّية الطّب
هَذَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينبّه الأمّة إِلَى السبب الرئيسي للأمراض الَّتِي يعاني مِنْهَا البشر فيؤكّد أنّها فِي المعدة الَّتِي هِيَ منفذ عظيم لدخول الأشياء إِلَيْهَا ووصولها إِلَى باقي البدن فيقول: ( مَا ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كَانَ لاَ محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ) صحيح الجامع (5674)، وبذلك يحصل الترشيد فِي الطّعام الَّذِي يمتنع الإنسان عَنْهُ فِي نهار رمضان ليقوم الجسم بالتّخلّص من الفضلات الزائدة عنه، والسموم الَّتِي تخرجها خلايا الجسم لتصبح نشيطة فتنتقل من عمل التنظيف إِلَى البناء والإنتاج، وهذا فِي حقيقة الأمر بحاجة إِلَى إنسان مرتاح نفسيّاً لأن الأمراض النفسيّة لَهَا تأثير عَلَى الأجهزة والأعضاء وتصيبها بخلل فَلاَ تستطيع تنظيم عملها حتّى وَلَوْ كَانَ أصحاب هَذِهِ الأجهزة والأعضاء لاَ يأكلون من الطّعام إِلاَّ القليل.
وَمَعَ طول السنة والانشغال الفكري والعضلي وتجمّع هموم الحياة اليومية والمستقبليّة تتفرّق الهموم عَلَى الإنسان حتّى يشعر بأنّه لاَ يخرج من هم إِلاَّ إِلَى غيره إِلَى أَنْ يأتي شهر رمضان فيتذكر أَنَّهُ لاَ بدّ لَهُ من الدّخول فِي هذه العبادة وغيرها من العبادات ليكون من عتقاء هَذَا الشهر، ومن أهل الجنّة، فيركن تحت تِلْكَ المظلّة المكتوب فِيهَا ( من كَانَتْ الآخرة همّه جعل الله غناه فِي قلبه وجمع لَهُ شمله وأتته الدُّنْيَا وَهِيَ راغمة ومن كَانَتْ الدُّنْيَا همّه جعل الله فقره بَيْنَ عينيه وفرق عَلَيهِ شمله ولم يأته من الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قدر لَهُ ) صحيح الجامع (6510)، فيجتهد فِي العبادة وخاصة أَنْ من حوله من النَّاس يكون همّهم هُوَ همّه من العبادة والذّكر فيجد فِي ذَلِكَ الفرصة ليتخلّص من أوهامه كلّها ويعود إِلَى الأصل الَّذِي خلق من أجله (( وَمَا خلقت الجنّ والإنس إِلاَّ ليعبدون مَا أريد منهم من رزقٍ وَمَا أريد أَنْ يطعمون إنّ الله هُوَ الرّزاق ذو القوّة المتين )) [الذّاريات: 56-58] وبذلك تتخلّص النّفس من حقدها وشرّها وحسدها وتتطلع بَعْدَ ذَلِكَ لفعل الخير لأن كلّ شيء ذاهب وَلاَ يبقى إِلاَّ البحث عَنْ حقيقة ذَلِكَ الطّريق الموصل إِلَى الجنّة. والله المستعان.
كلّية الحِلم
جاء الرّجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يسأله الوصيّة فقال: ( لاَ تغضب ) صحيح الجامع (7373)
ولأنّ الغضب هُوَ فِي أغلب أحيانه ردّة فعل لفعل آخر، ويصحبها مجانبة الصّواب حتّى لَوْ كَانَ معه الحقّ وإرادة العقاب. فلعلّه فِي حكمه هَذَا يقع فِي الغلوّ فيؤدّي بِهِ إِلَى الظلم الَّذِي حرّمه الله عَزَّ وَجَلَّ لقوله صلى الله عليه وسلم فِي الحديث القدسي ( يَا عبادي إنّي حرّمت الظلم عَلَى نفسي وجعلته بينكم محرّماً فَلاَ تظالموا ) صحيح الجامع (4345)، ثُمَّ إنّ فورة الغضب توقع الإنسان فيما لاَ تحمد عقباه ولذلك لمّا استبّ رجلان أمام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وأحدهما قَدْ احمرّ وجهه وانتفخت أوداجه فقال عَلَيهِ الصّلاة السّلام: ( إنّي لأعلم كلمة لَوْ قالها لذهب عَنْهُ مَا يجد، لَوْ قَالَ: أعوذ باللهِ من الشّيطان الرّجيم ذهب عَنْهُ مَا يجد )مختصر صحيح مسلم (1792) فلمّا نقل لَهُ قول رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَتْ ردّة الفعل عنده سريعة وقويّة فقال: أمجنون تراني؟ ولذلك كَانَ لاَ بدّ لهذا الدّاء من علاج، وأن يكون الإنسان مستعدّاً لَهُ، وليس وليد السّاعة حتّى لاَ يقع فِي معصية أَوْ ظلم، فكانت تِلْكَ الكليّة العظيمة فِي رمضان الَّتِي يكون جوابها حاضر وفعلها متوافر ( الصّيام جنّة، وَإِذَا كَانَ أحدكم صائماً فَلاَ يرفث، وَلاَ يجهل، وإن امرؤ قاتله أَوْ شاتمه فليقل: أنّي صائم، أنّي صائم ) صحيح الجامع (3877) وهكذا يلوذ بالله عَزَّ وَجَلَّ وَلاَ يكون عنده ردّة فعل، بل يقف عَلَى ساحل الخير الَّذِي فِيهِ الرّحمة والمحبّة من الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ لأنّ هَذِهِ الخصال يحبّها الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يمتدح الحلم فِي أشج بني عبد قيس فقال: ( يَا أشج! إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله: الحلم التؤدة ) صحيح الجامع (7848)، وبذلك تكون من الَّذِينَ ذكرهم الله فِي كتابه (( والكاظمين الغيظ والعافين عَنْ النَّاس والله يحبّ المحسنين )) [آل عمران: 134]، فكن عَلَى طريق أولئك الَّذِينَ لاَ يغضبون لأنفسهم بل يتسامحون مَعَ النَّاس حتّى وإن كَانَ الخطأ والغبن عليهم، ليكون لهم الأجر عِنْدَ الله (( وَلاَ تستوي الحسنة وَلاَ السّيئة ادفع بالتي هِيَ أحسن فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم وَمَا يلقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صبروا وَمَا يلقّاها إِلاَّ ذو حظّ عظيم )) [فصّلت: 34]، فعليك أَنْ تحمل هَذَا الخلق بَعْدَ رمضان ليصبح فيك سجيّة، وهذا لاَ يأتي بيوم وليلة ولكن بالتّدبّر والجاهدة. والله المستعان.